سيد محمد طنطاوي

165

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

رسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالنسبة لهذه الحادثة . كان بأمر اللَّه - تعالى - وإذنه . قال - تعالى - : ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّه لَه ، سُنَّةَ اللَّه فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ . وكانَ أَمْرُ اللَّه قَدَراً مَقْدُوراً الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّه ويَخْشَوْنَه ولا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه وكَفى بِاللَّه حَسِيباً . ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ، ولكِنْ رَسُولَ اللَّه وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ، وكانَ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ثم وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالإكثار من ذكر اللَّه - تعالى - ومن تسبيحه وتنزيهه . كما وجهت نداء إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بينت له فيه وظيفته ، قال - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّه ذِكْراً كَثِيراً . وسَبِّحُوه بُكْرَةً وأَصِيلًا . هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُه لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً . تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَه سَلامٌ ، وأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً . وداعِياً إِلَى اللَّه بِإِذْنِه وسِراجاً مُنِيراً . وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّه فَضْلًا كَبِيراً . 9 - ثم تحدثت السورة بعد ذلك بشيء من التفصيل عن بعض الأحكام التي تتعلق بأزواج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبعلاقته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بهن من حيث القسم وغيره ، ومن حيث الزواج بغيرهن . كما تحدثت عن الآداب التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها عند دخولهم بيوت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بدعوة منه . لأجل تناول طعام ، أو لأجل أمر من الأمور الأخرى التي تتعلق بدينهم أو دنياهم . ثم ختمت هذه الآيات بقوله - تعالى - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً . 10 - وبعد هذا البيان المفصل لكثير من الأحكام والآداب ، أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تهديد المنافقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وفي بيان أن سنن اللَّه في خلقه لا تتخلف ، وأن علم وقت قيام الساعة إلى اللَّه - تعالى - وحده ، وأن الإصرار على الكفر يؤدى إلى سوء العاقبة ، وأن السير على طريق الحق . يؤدى إلى مغفرة الذنوب . وأن الإنسان قد ارتضى حمل الأمانة . التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال . قال - تعالى - : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . لِيُعَذِّبَ اللَّه الْمُنافِقِينَ والْمُنافِقاتِ ، والْمُشْرِكِينَ والْمُشْرِكاتِ ، ويَتُوبَ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ ، وكانَ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً .